• ×

admin

الإرهاب حقيقته وخطره

admin

 0  0  426
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد فإن موضوعنا الذي نحن بصدده عن الذي يحتاجه الناس من بيان حقيقة الإرهاب وبيان خطره، وعن موقف الإسلام منه، ونبتدئ الحديث عن حقيقة الإرهاب وعن المصطلحات المرادفة لهذه الكلمة، ونبين كذلك موقف الإسلام منه، وما هو الإرهاب.

الحمد لله رب العالمين، إله الأولين والآخرين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد الأمين، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، فإن موضوعنا بخصوص ظاهرة الإرهاب التي هي حديث الناس، والتي أصبحت آثارها ظاهرة وقد عمت في كل مكان ، لقد جاء الإسلام مُحَقِّقًا لمقاصد عظيمة يجب أن يتعلمها كل مسلم ومسلمة، وهذه المقاصد متمثلة في حفظ الضرورات الخمس: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ العِرْض، وحفظ المال.

وما زال العلماء يبينون الأحكام والمسائل المرتبطة بهذه الأمور، فلما غاب العلم وتَفَشَّى الهوى والجهل، وكثرت الشبهات، وظهر دعاة السوء والضلالة؛ ظهرت الفتن والقتل دون مراعاة لهذه الأمور.

لذلك فإن كل عمل تخريبي يستهدف الآمنين فهو مخالف لأحكام الشريعة التي جاءت بعصمة دماء المسلمين والْمُعاهَدين، فكيف إذا كان ذلك في بلد إسلامي آمن مهبط الوحي والرسالة والنور الذي يشع في جنبات الأرض كلها، لا شك أن ذلك أشد حرمة بإجماع علماء المسلمين العارفين.

أيها الإخوة، إن ظاهرة الإرهاب بجميع أنواعه وصوره ليست مقتصرة على بلد دون بلد، أو مختصة بزمن دون زمن، لذا كان من الواجب بيان حقيقته ومفهومه الصحيح؛ لئلا تَخْتَلِط المفاهيم فيُسَمَّى العُدْوان والإجرام جِهادًا في سبيل الله، أو يُسَمَّى الدفاع عن الأوطان ورد المعتدي إرهابًا ونحو ذلك. كما أنه من الواجب علينا بيان براءة الإسلام مما يُلْصَق به من تهمة الإرهاب بهذا المعنى السيئ، فالإسلام قد حَرَّم العدوان والاعتداء على الناس ومضايقتهم، بل حَرَّم ترويعهم.

لقد جاءت تصاريف تلك الكلمة – أعني كلمة الإرهاب – في كتاب الله جل وعلا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾ [سورة الأنفال : الآية 60] ، وجاءت في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَاسْتَرْهَبُوَهُمْ ﴾ [سورة الأعراف : الآية 116].

أنواع الإرهاب:

الإرهاب على نوعين:

إرهاب محمود:

والمراد به: رد المعتدي والدفاع عن النفس والدفاع عن الدين، والعرض والمال.

وإرهاب مذموم:

وهو التجاوز على الآخرين بغير حق وترويعهم بالاعتداء على أنفسهم وعلى أعراضهم وعلى ممتلكاتهم، وإحداث أنواع من التخريب والتدمير كإتلاف الأموال والمساكن واختطاف الطائرات وإشاعة الرعب والفوضى بين الناس وكالتفجيرات وغيرها.

ولا شك أن هذا في حق المسلمين حرام وذنب عظيم، وهذا أيضًا لا يجوز في حق المعاهدين المستأمنين الذين دخلوا بلاد الإسلام بذمة وعهد، والحقيقة أن بعض الناس لا يفرق بين مصطلح الإرهاب وبين المصطلحات الشرعية مثل الجهاد في سبيل الله عز وجل ومثل الدفاع عن النفس الذي هو واجب.

وقد جاء في بحث بعنوان “الإرهاب ووسائل العلاج” لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ أن هذا المصطلح مصطلح الإرهاب لم يتحدد مفهومه، بل تُشَنُّ الحملة ضده بدون تحديد واضح المعالم لمعنى الإرهاب، ومَن هو الإرهابي؟ ومتى يكون إرهابًا؟ وكيف يكون هذا الشخص أو تلك الجماعة أو الدولة أو الدول إرهابية؟ لم يتحدد كل هذا.

فلا بد – كما ذكر سماحته – مِن بيانٍ وتحديدٍ لمدلول الإرهاب، ولا بد من تعرية هذا المصطلح عما دخل فيه وليس منه.

تعريف الإرهاب:

لقد ذُكِرت تعريفات للإرهاب، نسوق في هذا المقام ما نراه أجمعها وأحسنها، وهو ما ذكره المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة في دورته السادسة عشرة، حيث جاء في البيان الذي أصدره أن الإرهاب:

هو ظاهرة عالمية لا يُنْسَب لدين ولا يختص بقوم، وهو ناتج عن التطرف الذي لا يكاد يخلو منه مجتمع من المجتمعات المعاصرة.

وهو العدوان الذي يُمارسه أفراد أو جماعات أو دول بَغْيًا على الإنسان: على دينِه ودمِه وعقلِه ومالِه وعِرْضِه، ويشمل صنوف التخويف والأذى والتهديد والقتل بغير حق، وما يتصل بصور الحِرَابة وإخافة السبيل وقطع الطريق.

وهو كل فِعْل من أفعال العنف والتهديد يقع تنفيذًا لمشروع إجرامي فردي أو جماعي ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم أو إيذائهم أو تعريض حياتهم وحريتهم وأمنهم للخطر.

أنواع أخرى للإرهاب:

ومن صنوف الإرهاب إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق والأملاك العامة أو الخاصة للدولة أو للمواطنين، أو تعريض أحد الموارد الوطنية أو الطبيعية للخطر، كل هذا من صور الإفساد في الأرض، والله قد نهى عنه، قال سبحانه: ﴿وَلَا تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ ﴾ [سورة القصص : الآية 77].

وقد شرع الله الجزاء الرادع للإرهاب والعدوان والفساد، وعَدَّه محاربةً لله جل وعلا ولرسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [سورة المائدة : الآية 33 ].

عناصر الإرهاب:

إن الإرهاب أيها الإخوة يقوم على ثلاثة عناصر:

العنصر الأول: أعمال معينة وُصِفت بأنها عُنْف ورُعْب.

العنصر الثاني: هدف ومقصد معين يستهدفه الإرهابيون، سواءٌ كان هذا الهدف الوصول إلى السلطة أو إسقاطها، أو إخضاع الآخرين لسلطانهم وأفكارهم.

العنصر الثالث: أنهم جماعة منظمة أو دولة تقوم بهذا الإرهاب وتسعى إلى تحقيق أهدافه، كما ذُكِرَ قبل ذلك.

مصطلحات مرادفة للإرهاب:

إن لكلمة الإرهاب مصطلحات ومرادفات أخرى، ومن خلال تتبع النصوص من الكتاب والسنة نذكر جملة من هذه المصطلحات التي تطلق على الإرهاب، وإن كانت غير مطابقة له تمامًا، قد تكون تُمَثِّل جانبًا من جوانب معنَى الإرهاب، وقد تكون في بعض الأحيان سببًا في وجود الإرهاب الذي هو الاعتداء على الآخرين بغير حق.

فمن تلك المصطلحات التي تدور وتشيع بين الناس – والتي كما ذَكَرْتُ لا تكون مطابقةً تمامًا لمعنى الإرهاب بذاته وحقيقته، ولكنها قد تمثل جانبًا من جوانب الإرهاب أو قد تكون سببًا من أسبابه – التطرف، من هذه المصطلحات التطرف، وهذا المصطلح لم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية، ولكن هو يعني الشطط والمخالفة، وقد أطلق العلماء قديمًا كلمة المتطرف على المخالف للشرع، سواءٌ في القول أو الفعل، ومفهومه في هذه الأزمنة: هو الغلو في عقيدة أو فكر أو مذهب أو غيره، يختص به أناس أو حزب معين.

ومن هذه المصطلحات أيضا: التنطع، وهو في الاصطلاح: التكلف المؤدي إلى الخروج عن السنة، وهو داء لا دواء له إلا بتركه، كما قال ذلك الإمام النووي رحمه الله.

روى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ». قَالَهَا ثَلاَثًا.(1 )

قال النووي في شرحه: أي المتعمقون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم.

ومن المصطلحات أيضًا التشدد والتَّعَنُّت، فالتشدد: هو الخروج من السماحة والتيسير إلى الغلو والجفاء، والإسلام قد نهى عن التشدد وعن التعسير، الله جل وعلا يقول: ﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ ﴾ [سورة الأعراف : الآية 31] وقال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ﴾ [سورة الأعراف : الآية 32].

وفي السنة النبوية نجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاوم كل اتجاه ينزع إلى التشدد ويميل إلى الغلو في التدين، فقد أنكر عليه الصلاة والسلام على مَن بالغ من أصحابه في التقشف والتعبد مبالغةً تُخْرِجه عن حد الاعتدال والتوسط الذي هو منهج الإسلام القويم.

ومن المصطلحات المرادفة للإرهاب أيضًا الغلو، وهذا هو أكثرها دورانًا على ألسن الناس، وفي كتاباتهم، والغلو كما جاء في معاجم اللغة: هو الارتفاع ومجاوزة القدر في كل شيء، ومنه قول عمر رضي الله عنه: ألاَ لا تُغَالُوا في صَدُقَاتِ النِّسَاءِ.(2 ) يعني لا تزيدوا في مهورهن.

وتعريف الغلو في الاصطلاح: هو الزيادة ومجاوزة الحد الشرعي الواجب، فالزيادة هذه منهيٌّ عنها في دين الإسلام، قال تبارك وتعالى: ﴿يا أَهْلَ الكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الحَقَّ ﴾ [سورة النساء : الآية 171].

وفي السنة يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ وَلاَ تَغْلُوا فِيهِ وَلاَ تَجْفُوا عَنْهُ وَلاَ تَأْكُلُوا بِهِ وَلاَ تَسْتَكْثِرُوا بِهِ».( 3)

وفي قِصَّة لَقْطِ حَصَيَات الجِمَار له عليه الصلاة والسلام، فأخذهن عليه الصلاة والسلام وقال: «أَمْثَالَ هَؤُلاَءِ فَارْمُوا»، ثم قال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ».( 4) وأقوال السلف رحمهم الله في التحذير من الغلو ومجاوزة الحد كثيرة.

يقول عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى في كتاب أرسله إلى رجل يتكلم في الصحابة: لقد قَصَّر دونهم أقوام فجفوا، وطمح آخرون عنهم فغلوا، وإنهم مع ذلك لعلى هدى مستقيم.(5 )

وقال الحسن البصري رحمه الله: سُنَّتُكم – والله الذي لا إله إلا هو – بينهما، بين الغالي والجافي.(6 )

وقال النووي: الغلو هو الزيادة على ما يُطْلَب شرعًا.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الغلو مجاوزة الحد بأن يزاد في الشيء في حمده أو ذمه على ما يستحق ونحو ذلك.( 7)

وما أجمل مقولة للحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى يبين حرص الشيطان على إضلال العبد، فالشيطان يحرص على أن يَضِلَّ العبدُ، إما أن يُوقِعه في المعصية والذنب، وإما أن يُفْسِد عليه دينَه بالرياء أو بالغلو، وبالتشديد على النفس ومجاوزة الحد، فيرى أن حاله أفضل من غيره، ونحو ذلك.

يقول ابن القيِّم رحمه الله: وما أمر الله بأمرٍ إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو، ودينُ الله وَسَط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين جبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين، فكما أن الجَافِيَ عن الأمر مُضَيِّع له، فالغالي فيه مُضَيِّع له، هذا بتقصيرِه عن الحدِّ، وهذا بتجاوُزِه الحدَّ، وقد نهى الله عن الغلوِّ بقوله: ﴿يَا أَهْلَ الكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الحَقِّ ﴾ [سورة المائدة : الآية 77].( 8)

والمعنى أن الإنسان إما أن يفرط فلا يقيم شعيرةً أو فريضةً من فرائض الإسلام، وإما أن يتشدد ويكلف نفسه ما لا يُطِيقه، وقد نهى الإسلام عن الإفراط والتفريط.

ومن المصطلحات المرادفة للإرهاب: البغي، ومعناه: التعدي والاستطالة على الناس، والكِبْر والظُّلم ومجاوزة الحد، والذين يصنعون ذلك يُسَمَّوْن البُغاة، وقد جاء تعريفهم في كتب الفقه، وكلها تدور حول هذا المعنى، ففي حاشية ابن عابدين رحمه الله قال: هم كل فئة لهم مَنَعة يتغلبون ويجتمعون ويقاتلون أهل العدل بتأويلٍ، يقولون: الحق معنا.

وقال ابن قُدَامة: هم قوم من أهل الحق خرجوا على الإمام بتأويلٍ سائغٍ، وراموا خَلْعَه، ولهم مَنَعة وشَوْكَة.

ومن المصطلحات المرادفة للإرهاب أيضًا الفساد والإفساد ، الفساد: هو خروج الشيء عن الاعتدال، قليلاً كانَ الخروجُ أو كثيرًا، ويضاده الصلاح والإصلاح.

وقد تكرَّر لفظ الفساد والإفساد في القرآن الكريم خمسين مرةً بصيغة الفعل وتصريفاته والمصدر واسم الفاعل، نذكر على سبيل المثال قول الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ ﴾[سورة القصص : الآية 77] … إلخ.

ومن الفرق التي تتصف بصفة الإرهاب الخوارج والمحاربون، قال الإمام النووي رحمه الله: الخوارج صنف من المبتدعة يعتقدون أن مَن فعل كبيرة يكْفُر ويُخَلَّد في النار، ويَطْعُنُون بذلك في الأئمَّة، ولا يحضرون معهم الجُمُعات والجماعات.

هذا بلا شك داء خطير، وقد ظهر شيء من خِصال هؤلاء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبَر النبي صلى الله عليه وسلم عنهم بقوله عن رجل منهم:«إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ رَطْبًا، لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ» .( 9)

وأول شرورهم التي ظهرت قتلُ عثمان رضي الله عنه، ثم قتلُ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وما حدَث بعد ذلك من الفتن والشرور، فقد استحلوا دماءَ الناس وأموالَهم، وكَفَّروهم وحكموا عليهم بالخلود في النار، نسأل الله السلامة والعافية.

ومن مصطلحات الإرهاب الحرابة، قال ابن الهمام: المحاربون هم الخارجون بلا تأويلٍ، بِمَنَعَة وبلا مَنَعَة، يأخذون أموال الناس ويقتلونهم، ويُخِيفون الطريق.

وقال ابن عَبْد البَرِّ: كل مَن قطع السُّبُل وأخافها وسعى في الأرض فسادًا بأخذ المال واستباحة الدماء وهَتْكِ ما حرَّم الله هَتْكَه من المحارم، فهو مُحارِب.

هؤلاء هم المفسدون في الأرض، سواءٌ أُطِلَق عليهم هذه المسميات أو بَعْضًا منها.

صفات المفسدين:

للمفسدون صِفات يُعْرَفون بها، فمِن ذلك:

حَدَاثة السِّنِّ، أغلب هؤلاء تجدهم حُدَثاء الأَسْنَان، أي في مرحلة الشباب، تستهويهم بعض الأفكار الضالة ودعاة السوء وغير ذلك من الأمور الأخرى.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلاَمِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لاَ يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»( 10).

ومن صفاتهم أيضًا إعجابهم بأنفسهم، تجد هؤلاء أصحاب الفكر المنحرف الضال يُعْجَبون بأنفسهم، ولا يأخذون من العلماء، ولا يستمعون لنصيحةٍ، ولا يتقبلون أيَّ توجيه.

روى عبد الرزاق عن قتادة أنه قال – وهذا من المراسيل عن النبي صلى الله عليه وسلم – قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي اخْتِلاَفٌ وَفُرْقَةٌ، وَسَيَأْتِي قَوْمٌ يُعْجِبُونَكُمْ أَوْ تُعْجِبُهُمْ أَنْفُسُهُمْ، يَدْعُونَ إِلَى اللَّهِ وَلَيْسُوا مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ، يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ وَلَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ، فَإِذَا خَرَجُوا عَلَيْكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، الَّذِي يَقْتُلُهُمْ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْهُمْ». قالوا: وَمَا سَمْتُهُمْ؟ قال: «الْحَلْقُ». ( 11).

ومن صفات هؤلاء أيضًا الطعن في العلماء، تجدهم يطعنون في العلماء، ويقولون: إن العلماء لا يفقهون الواقع، العلماء أغلقوا أبوابهم، العلماء لا يرحبون بالشباب، وهذا بلا شك فِرْيَة وكذب وبهتان، وقد فَنَّد علماؤنا جزاهم الله خيرًا هذا الكلام، فأبوابهم ولله الحمد مفتوحة، ومحاضراتهم ودروسهم ولقاءاتهم موجودة، لكن هؤلاء يريدون أن يُحْدِثوا فَجْوةً وفُرْقةً بين الشباب، أو بين الناس عمومًا وبين علمائهم.

ومن صفاتهم أيضًا الطعن في ولاة الأمر، وهذا أول ما فعله الخوارجُ في عهد عثمان رضي الله عنه، فإنهم قالوا: إنه قد قَرَّب أقاربه، وإنه قد أعطاهم كذا وكذا. فتجدهم أمثالهم الآن وفي كل زمان يطعنون في ولاة الأمر يقولون: فيهم كذا وكذا. ويزيدون في الكلمة الواحدة آلاف الكلمات، وأغلبها كذب وبهتان، ولا شك أن هذا من صفاتهم التي يعرفون بها.

والواجب على العبد أن يدعو لولاة الأمر بالصلاح وبالهداية وبالتوفيق، فهذا من الواجبات على المسلم، وأهل العلم قد بَيَّنوا حقوقهم.

فيجب أن يُعْلم أن من صفة هؤلاء الخوارج حِرْصَهم على الخروج على الناس وعلى ولاة أمرهم، فتجدهم يحاولون العبث إما بتفجير أو غير ذلك من الأعمال التخريبية، أو يقومون بأعمال ترويعية كاختطاف طائرة أو تدميرٍ او احتجاز رهائن أو نحو ذلك، فهم دائموا السعي للخروج على ولاة الأمر، ويرغبون في زعزعة الأمن والاستقرار، وذلك إما بإفساد ممتلكات الناس وإما بترويعهم، بحيث إنهم يزهدونهم في العيش في بلادهم، أو يحالون أن يجعلوا فجوة بين الناس وبين مسئوليهم أو نحو ذلك، كل هذا من صفاتهم نسأل الله السلامة والعافية.

اختم كلامي بقول وجيز وهي أن الإسلام قد حرم هذه الأعمال وقد ندد بها وشنع النكير عليها، وفي كتاب الله جل وعلا وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم بيانٌ جَلِيٌّ واضح لهذه الأمور يقول الله تبارك وتعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ [سورة المائدة : الآية 32].

ويقول جل من قائل: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة المائدة : الآية 33 ].

ويقول جل وعلا: ﴿وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ﴾ [سورة الأعراف : الآية 56].

قال الإمام القرطبي: نهى سبحانه عن كل فساد قَلَّ أو كَثُر بعد صلاحٍ قَلَّ أو كَثُر.

وقال جل وعلا: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴾ [سورة النساء : الآية 93].

وهذه آية عظيمة في حق مَن يعتدي على مسلم يشهد أن لا إله إلا الله.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيدٍ لَمَّا قتل ذلك الرجل الذي قال لا إله إلا الله: «يَا أُسَامَةُ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ»(12 ) قُلْتُ: كَانَ مُتَعَوِّذًا . فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّى لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ.

ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي القَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا ﴾ [سورة الإسراء : الآية 33].

أما الأدلة من السنة فكثيرة جِدًّا منها فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِى فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ ، مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا»(13 ).

وعن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالْمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ الْجَمَاعَةَ»( 14)

وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّ الإِسْلاَمِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ». (15 )

في حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلاَ لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ».(16)

وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم وحذر من أن تروع أخاك المسلم كما ثبت في الحديث أنه قال صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِى مَسْجِدِنَا أَوْ فِى سُوقِنَا وَمَعَهُ نَبْلٌ فَلْيُمْسِكْ عَلَى نِصَالِهَا بِكَفِّهِ أَنْ يُصِيبَ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا بِشَىْءٍ».(17 ) يعني ليكفها حتى لا تؤذي أحدًا.

وروى أبو داود عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: « لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا ».( 18)

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لاَ يُشِيرُ أَحَدُكُمْ عَلَى أَخِيهِ بِالسِّلاَحِ ، فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِى لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِى يَدِهِ، فَيَقَعُ فِى حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ»( 19) فمجرد الإشارة بالسلاح لا تجوز.

إذن ترويع المسلم لا يجوز، فكيف بالاعتداء عليه وقتله؟! كذلك لا يجوز ترويع وقتل المعاهدين والمستأمنين، من دخلوا بلادنا لهم أمان وعهد وذمة، سواء جاءوا للعمل كأطباء أو مهندسين أو خبراء أو حتى لو جاءوا زُوَّارًا، فلهم عهد وذمة، ولا يجوز الاعتداء عليهم بحال من الأحوال.

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا»( 20).

وعن صفوان بن سليم، عن عدة من أبناء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، عن آبائهم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أَلاَ مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا أَوِ انْتَقَصَهُ أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». ( 21) أي: خصمه ومُحاجُّه ومغالبُه بإظهار الحُجَج عليه . والحُجَّة الدليل والبُرْهان.

فالنبي صلى الله عليه وسلم سينتصر للذي بُخِس حقه أو اعتدي عليه ويكون خَصْمًا للمعتدِي يوم القيامة

والخلاصة أن الإسلام بريء مما يلصق به ومما يقال عنه، بل إن الإسلام إنما جاء لصيانة النفس، وحذر من الاعتداء عليها، فإذا صدرت أفعالٌ تخالف الشريعة من أناس جهال مُغَرَّر بهم فإن الإسلام بريء من تلك الأفعال، وعلى كل إنسان أن يتحمل ما صنعه، لا أن تلصق أفعال هؤلاء المخربين إلى الدين، ومن قرأ بإنصاف وعدل وشمولية في كتاب الله جل وعلا وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم وسيرته وسيرة أصحابه ومن بعدهم سيعلم أن الإسلام هو دين الرحمة والإنصاف إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فالحق واضح، والباطل زاهق إن عاجلا أو آجلا.

نسأل الله جل وعلا أن يُعِزَّ دينه ويُعْلِيَ كلمته، كما نسأله جل وعلا أن يُؤَمِّنَنا في أوطاننا، اللهم أَمِّنَّا في أوطاننا وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم فقهم في دينهم، اللهم احقن دماءهم، اللهم احفظ أعراضهم وأموالهم وأوطانهم يا ذا الجلال والإكرام، وصلِّ اللهم وسَلِّمْ وبارِكْ على نبينا محمدٍ على آله وصحبِه أجمعين.

كلمة فضيلة الدكتور فهد بن سليمان الفهيد

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه

أما بعد، أسأل الله جل وعلا أن يرزقنا جميعًا العلم النافع والعمل الصالح ولزوم الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.

أيها الإخوة، إن الإرهاب بمعناه السيئ إنما هو محاربة لله ولرسوله وإفساد في الأرض وإهلاك للحرث والنسل، وليس هو من القتال المشروع، ولا هو من الجهاد الذي يرضاه الله جل وعلا ورسوله صلى الله عليه وسلم، وليس هو من عمل السلف الصالح، فالصحابة والتابعون وأئمة المسلمين وملوكهم وأمراؤهم وعلماؤهم لم يقوموا به، ولم نسمع به في عصور الإسلام الأولى، ولم يُفْتِ عالم بمثل هذه الأشياء التي تقع في هذا الزمن وتُنْسَب زُورًا وبُهْتانا إلى الإسلام وإلى الدين، وهؤلاء الذين يقومون بهذه الأعمال شابهوا البغاة والمحاربين، شابهوا البغاة من جهة ما فيهم من الكِبْر والاعتداء والظلم والتكفير، فإنهم يكفرون بغير علم، ويستحلون سفك الدم الحرام، ويصنعون الجرائم العظيمة، وهؤلاء شابهوا المحاربين من جهة الخبث والإفساد وقطع الطريق والسرقة والقتل وغير ذلك، وهم أشبه بالخوارج كما قال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله ورعاه وغيره من أهل العلم، وكما بَيَّن أهل العلم وهيئة كبار العلماء في بيانات كثيرة، كما في البيان الذي صدر عام ألف وأربعمائة وستة عشر عندما حدث التفجير الآثم في مدينة الرياض، فقد بَيَّن أهل العلم حالَ وحكمَ هذه التفجيرات وحالَ أصحابها، وحَذَّروا منهم ومن منهجهم الفاسد، فهؤلاء يجب علينا أن نعرف انحرافهم وفسادهم، وألا نغتر بكل مَن يرفع راية تحت مسمى الدين، فكثير من المفسدين في الأرض المنحرفين عن طريق السلف الصالح يستخدمون الشعارات الإسلامية لتنفيذ أفكارهم الهدامة المنحرفة، فالواجب على المسلمين أن يضبطوا أمرهم وأن يَحْذَروا من الوقوع في مثل هذه الأمور وتلك الأفكار الهدامة.

ولقد بَيَّن سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ في بحث قَيِّم له أسباب الوقوع في مثل هذه الأمور، أنصحكم بالرجوع إليه في مجلة البحوث الإسلامية بعنوان: “أسباب الوقوع في الفتن والحذر منها” ونذكر بعض ما ذكره شيخنا، ونزيد بعض الأمور التي أرى أننا بحاجة إليها.

أسباب الوقوع في الفساد والتنظيمات الفاسدة:

1- الجهل بالدين.

إن من أهم أسباب الوقوع في مثل هذه الأمور الجهل بالدين، إن الجهل بالدين قاد هؤلاء المارقين إلى التكفير بغير علم، وقادهم إلى دعوى الجهاد في غير محله، وقادهم إلى الحكم في مسائل الولاء والبراء بغير علم، وقادهم إلى أن يضربوا كلام العلماء بعضه ببعض، فيحتجون بفتاوى لعلماء في غير محلها، وفي غير ما هي له، ويئولون النصوص على خلاف ما أنزلت له جهلاً منهم، كل ذلك بدافع الإصلاح وبدافع نصرة المسلمين، فبجهلهم وقلة علمهم قتلوا وأفسدوا في الأرض.

2 – البغي.

يعد البغي من الأسباب التي توقع في مثل هذه الأمور، والبغي: هو الاستطالة على الخلق بغير حق والاعتداء عليهم، قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ [سورة الشورى : الآية 14] فأمثال هؤلاء لا يقبلون الحق من غيرهم لأجل البغي وما في أنفسهم من الكبر والظلم.

3 – عدم التوفيق بين النصوص الشرعية.

ومن الأسباب التي توقع هؤلاء في مثل ذلك عدم التوفيق بين النصوص الشرعية، فهم يأخذون بعض الآيات ويتركون بعضًا، ويأخذون بعض الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ويتركون أحاديث أخرى لأنها لا توافق أهواءهم، فلا يجمعون بين النصوص، وهذه عادة أهل الأهواء، قال الله جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ ﴾ [سورة آل عمران : الآية 7] يعني أصله الذي يُرْجَع إليه، ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ﴾ [سورة آل عمران : الآية 7] يعني تشتبه في الدلالة والمعنى، فيخفى معناها على بعض الناس ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ﴾ [سورة آل عمران : الآية 7] أي ميل وهوى، ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ﴾ [سورة آل عمران : الآية 7] أي يتركون المحكم، ﴿ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَاب ﴾ [سورة آل عمران : الآية 7] وهم لا يستطيعون التوفيق بين كلام العلماء وفتاواهم، تجد بعضهم يرجع إلى فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية وينقل نصًّا أو سَطْرًا أو جملةً ويحملها على مُراده وهواه، وبعضهم ينقل عن ابن القيم وابن رجب، وبعضهم ينقل عن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب أو ينقل عن بعض أئمة الدعوة، فيحمل كلامهم على غير محله، فعدم التوفيق بين النصوص من أعظم أسباب الفتنة والانحراف.

4- إساءة الظن بالمسلمين وعلمائهم وأمرائهم.

كذلك من أسباب الوقوع في الفساد سوء الظن بالمسلمين وعلمائهم وأمرائهم، فقد يحملهم الهوى على الكيد لأهل الإسلام لما في قلوبهم من إساءة الظن بإخوانهم وبعلمائهم وبمن ولاه الله عليهم، ولو أنهم أحسنوا الظن ودعوا لهم بالصلاح والمعافاة ونصحوهم بالطرق الشرعية لكان خيرًا لهم، أما ما يفعلونه من الوسائل غير المشروعة فهذا ليس من الإصلاح ولا الإحسان في شيء.

5- الغلو في الدين والتنطع والتشدد.

إن أمثال هؤلاء المفسدين يأخذون بالأشد وبالأغلظ ويشددون على أنفسهم ويشددون على المسلمين، فيوقعهم التشدد في الانحرف عن الطريق القويم.

6- مصاحبة أهل الانحراف والفكر الفاسد.

تجد بعض الشباب أو غيرهم من كبار السن يجلسون إلى منحرفين عن السنة ومنحرفين عن الجماعة وتطول مدة ملازمتهم لهم فلا يلبثون أن يكونوا من هذه الطائفة المنحرفة، بسبب تلك الصحبة والملازمة لهم.

7- اتباع الهوى.

قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [سورة الأنعام : الآية 159] قال أبو هريرة رضي الله عنه في هذه الآية: نزلت هذه الآية في أهل الأهواء من هذه الأمة، يعني أنهم فرقوا دينهم فيأخذون بعضًا ويتركون بعضًا.

8- العجلة والتسرع واقتحام الأمور الصعبة.

لو أن أحدًا جاءه رجل وطلب منه إصلاح سيارته وهو لا يعلم عن إصلاحها شيء، لقال: لا أحسن أن أصلح السيارة، فهي تحتاج إلى رجل صَنَاع متخصص في إصلاح السيارات. لكنك تجد بعض هؤلاء إذا سئل عن شيء وهو لا يعلم أو سئل عن تكفير أحدهم أفتى بغير علم وتجرأ على التكفير واقتحم عليه، وكأنه أمر يسير، وهو لا يبالي، ومن أخطر الأمور الدخول في مسائل الدين بغير علم والقول على الله جل وعلا بغير علم، فقضية التكفير قضية خطيرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا»( 22) فبالعجلة واقتحام الأمور الصعبة يقع بعض الناس في هذا البلاء.

9- التأثر بأفكار الجماعات الوافدة التي تدعي الانتساب للإسلام.

إن التأثر بأفكار الجماعات المتعددة تحت مسمى الدين من الأمور الخطيرة، فهذه الجماعات تتصف بالجهل وبالأفكار المضللة، ولقد أثرت هذه الجماعات والتنظيمات السرية في بعض الشباب وغيرهم، وحدثت بسببها الفرقة، وتشتيت وحدة الأمة، والبعد عن السنة والجماعة، فهذه التجمعات السرية والتنظيمات والجماعات الإسلامية المتعددة نحن في غنى عنها، وعلينا أن نتمسك بما عرفناه من ديننا وبما جاء في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وبما كان عليه السلف الصالح، فالتمسك بكل هذه الأمور كافٍ للنجاة ومُؤَدٍّ إلى الطريق القويم الذي يرتضيه الله لعباده المؤمنين قال تعالى : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [سورة الأنعام : الآية 153].

والانخراط في مثل هذه الجماعات والتجمعات والتنظيمات يكون سببا لوجود البدع والأهواء ويكون سببا لتسويغ الخروج على ولاة الأمر وعلى جماعة المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ومن هذه الجماعات جماعة التكفير والهجرة، وربما سميت جماعة الجهاد، وهي أبعد ما يكون عن الجهاد الصحيح، وربما سُمِّيت أو سَمَّت نفسها بالجماعة السلفية، وهم أبعد الناس عن اتباع السلف، فهم يتصفون بالجهل، ويفهمون النصوص على خلاف ما جاءت له، وعندهم جهل بقواعد الشريعة وضوابطها، وهذه الجماعات وأمثالها كانت سببًا رئيسًا في انتشار الأفكار غير الصحيحة بين بعض فئات المجتمع.

10- الإعراض عن العلماء الراسخين وتهميش دورهم.

إن الإعراض عن العلماء المشهود لهم بالعلم وتقديم غيرهم عليهم ممن لم يعرف بالرسوخ في العلم من الأمور الخطيرة التي تنتج مثل هذه الأفكار الضالة والتي تكون معول هدم في صرح الأمة ووحدتها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا، يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالاً فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا».( 23)

فالواجب على وسائل الإعلام من تلفاز وإذاعة وجميع القنوات أن يعتنوا بإبراز الراسخين من أهل العلم، وأن ينشروا دروسهم ومحاضراتهم ونصاءحهم بصفة مستمرة ومتتابعة حتى يستفيد المسلمون، وحتى يعرفوا أهل العلم الراسخين.

ومن أسباب الوقوع في مثل هذه الأمور سكوت بعضُ مَن له دَوْر في التوجيه والقيادة، فهم يسكتون عن أداء الواجب وعن بيان الحق، فلا يتكلمون إذا رأوا على الشباب بوادر الانحراف، وسكوتهم داعٍ إلى ظهور غيرهم ممن لا يعلم فضل وأضل، كذلك عدم كشف شبهات هؤلاء المنحرفين عن السنة، فلهم شبهات تحتاج إلى كشف وإيضاح، وقد بَيَّن علماؤنا حفظهم الله في مواقف كثيرة شبهاتهم وردوا عليها قديمًا وحديثًا، وهناك كتاب جَمَع فتاوى مشايخنا عنوانه: “فتاوى علماء الأمة في النوازل المدلهمة”. فينبغي لنا أن نعرف كلام الراسخين من العلم وأن نسترشد بهم.

كذلك من أسباب الوقوع في هذا البلاء عدم التوبة وعدم الرجوع إلى الله والاستغفار، فالغالب على مَن وقع في بدعة – إلا من رحم الله – أنه لا يوفق للتوبة، فيجب علينا لزوم التوبة، فهذا البلاء الذي نزل ببلادنا يحتاج منا إلى التوبة والاستغفار والرجوع إلى الله جل وعلا والاستقامة على السنة والطاعة ولزوم الجماعة.

خطورة الإرهاب وآثاره السيئة

إن خطر الإرهاب المذموم يتمثل في آثاره السيئة، وكما قيل: بثمارهم يعرفون. فانظر مثلا إلى ثمار علمائنا الراسخين من أهل العلم، وانظر إلى آثارهم الحميدة وذكرهم الطيب ونفعهم الخلق في جميع أنحاء العالم، وكيف انتفع المسلمون بهم، وانظر إلى آثار هؤلاء الذين ينتمون إلى التنظيمات المفسدة، وانظر إلى منهجهم، وانظر إلى ثمار الإرهاب المذموم والإفساد في الأرض الذي وقع في بلادنا وفي بلاد المسلمين على أيدي مَن يدعي الجهاد، ما هي ثمارهم؟ من أخطر ثمارهم السيئة القبيحة: تفريق جماعة المسلمين، وإثارة الفتن في ديار المسلمين، وإيقاع الشرور والقتال والخلاف بعد اجتماع الكلمة وتوحد الصف.

ومن أخطر آثار هؤلاء إزالة التوحيد والسنة، وبلادنا ولله الحمد والمنة بلاد مباركة تقوم على السنة، وتقوم على التوحيد وعلى تحكيم الشريعة، نسأل الله جل وعلا أن يوفقها لذلك ويثبتها عليه وأن يزيدها هدى وتوفيقًا وثباتًا وأن يزيل النقص الذي يقع في هذه البلاد.

الخلاصة أن هذا البلد بلد قائم على التوحيد ونشر السنة النبوية المحمدية، أما الإرهاب والإفساد في الأرض فلا يقوم على نشر التوحيد، ولا يقوم على نشر السنة، بل يقوم على دعاوى فاسدة، كلها للبحث عن السلطة، فهل سمعتم قادة التنظيم المنحرف ودعاته يدعون إلى التوحيد وإخلاص العبادة لله؟ هل سمعتموهم يحذرون من الشركيات والوثنيات على الرغم من أن بعضهم يقيم في ديار تنتشر فيها البدعة والخرافة؟! فلم نسمع بيانًا ولا نصيحة في التحذير من الشرك والتحذير من الخرافة والبدع من أمثال هؤلاء، كل ذلك لأن منهجهم فاسد، ولأن دعوتهم على غير الدعوة المحمدية.

أيضًا من الآثار الخطير لهذا الإرهاب المذموم سفك الدم الحرام الذي حرمه الله عز وجل: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴾ [سورة النساء : الآية 93] فسفك الدم الحرام أصبح منتشرا بسببهم، فقد سُفِكت دماء عظيمة، ولَزَوالُ الدنيا بأسرها أهون على الله جل وعلا مِن قَتْل رجل مسلم، كم من أب مكلوم بولده؟! وكم من رجل أَمْنٍ قُتِل بسببهم وهو من أهل التوحيد؟! وكم من مَارٍّ في الطريق وعابرٍ وساكنٍ في بيته مات بسببهم. لقد سفكت دماء معصومة، فكم قتل معاهد أو مستأمن بسببهم، فهذا من آثارهم السيئة.

ومن آثار هذا الإرهاب المذموم إفساد الممتلكات والحرث والنسل والتضييق على المسلمين في طرقاتهم، ومن آثار هذا الإرهاب المذموم القول على الله جل وعلا بغير علم لأنهم ينسبون هذا الباطل الذي يسلكونه والطريق الوخيم الذي يمشون فيه إلى الإسلام، وإلى الشريعة الإسلامية، ويزعمون أنهم أتباع النبي عليه الصلاة والسلام، ويزعمون أنهم على جهاد محمود، وليس هذا هو الجهاد، وليس هذا هو الإسلام، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل شيئًا من هذا لما كان في مكة مُستضعَفًا، مع أنه صلى الله عليه وسلم كان قادرا هو وأصحابه أن يقتلوا أبا جهل وأن يكسروا الأصنام التي حول الكعبة وأن يهدموا البيوت على المشركين.

إن الجهاد في الإسلام له شروطه وضوابطه، وله طرقه التي يجب اتباعها، ليست القضية قضية هوى، وليست من باب العاطفة، وليس الجهاد من باب تنفيذ ما تمليه النفس.

كذلك من خطر هذا الإرهاب المذموم إزالة نعمة الأمن، فنعمة الأمن من أكبر النعم التي امْتَنَّ الله بها علينا، ونعمة الأمن – ولله الحمد – في بلادنا هي من النعم التي امتن الله بها علينا، ونحمد الله عليها، قال الله جل وعلا: ﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا البَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ﴾ [سورة قريش : الآية3 – 4]

فنعمة الأمن نعمة كبرى، وهم يتسببون في إزالتها، بما يفعلونه من ترويع المسلمين وبث الرعب في قلوبهم، فأمثال هؤلاء يختبئون في وسط البيوت وفي وسط الأحياء ويملئون تلك البيوت بالمتفجرات التي لو انفجر بعضها لتضرر منها المجاورون لهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

كذلك من آثار الإرهاب السيئة شغل المسلمين عن الدعوة إلى الله جل وعلا ونشر الإسلام وإيقاف منابع الخير والدعوة في أرجاء العالم كله، فكم من مركز إسلامي ضُيِّق عليه أو أغلق بأكمله؟! وكم من دعاة إلى الله كانوا يجوبون أنحاء العالم ويدعون إلى الله وإلى الإسلام وإلى السنة مُنِعوا بسبب هؤلاء؟! وكم من أقوام كانوا يُسْلِمون أفواجًا فتوقف هذا الخير بسبب هؤلاء وإفسادهم في الأرض؟!

فما حصل من تضييق على الدعاة من نشر التوحيد والسنة إنما هو من جراء أفعالهم وجرائمهم.

كذلك من آثار الإرهاب الخطيرة المدمرة تَسَلُّط أعداء الإسلام على بلدان المسلمين؛ لأن هؤلاء اعتدوا على دول لا طاقة للمسلمين بها، فتسببوا في استطالة أعداء الإسلام على بلدان المسلمين، وذلك بما فعلوه في أحداث الحادي عشر من سبتمبر مِن تفجير بُرْجَي التجارة العالميين، فغزيت بلدان المسلمين بسبب استطالة هؤلاء على دول لا طاقة للمسلمين بها نظرًا لضعف المسلمين، وليس هذا مشروع، قال تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ ﴾ [سورة الأنفال : الآية 66] إلى آخر الآية.

فإذا كان في المسلمين ضعف فإنهم يلجئون إلى الصلح والسلم حتى يُقَوِّي الله جانب المسلمين، أما في حال الضعف فإنه ليس من الخير وليس من المصلحة وليس من العقل محاربة هذه الدول مما يتسبب في هجوم الأعداء على بلدان المسلمين.

كذلك تسببوا في مضايقة إخواننا المسلمين المستضعفين؛ لأن لنا إخوانًا في الله في بلدان الغرب ويعيشون بين ظهرانيهم ولا يستطيعون الهجرة لضعفهم، فتسبب هؤلاء بتسلط الأعداء عليهم ومضايقتهم وفتنهم في دينهم، كل هذا بسبب إجرام هؤلاء وإفسادهم في الأرض.

كذلك من آثار الإرهاب المذموم ومن آثاره السيئة انتشار الأهواء وانتشار الآراء وتقوية جانب أهل البدع، فأهل البدع والضلال يقوى جانبهم بسبب إجرام هؤلاء، ودعواهم أنهم من أهل السنة وليسوا منها، وهكذا يقوى جانب أهل الإلحاد والإفساد في الأرض الذين يريدون الشر بالمسلمين، فهذا الشيء الذي يفعلونه يتسبب في ضعف المسلمين وتقوية جانب أهل البدع. نسأل الله أن يدحر البدع وأهلها، وأن يكفي المسلمين شرهم.

ومن المفاسد أيضًا إضاعة جهود المسلمين وجهود الشباب وتعطيل هذه الجهود العظيمة عن إقامة الدين بسبب ما يقومون به من ترويعٍ للمسلمين ومن إشغال لولاة الأمور لقطع دابرهم وكف شرهم عن المسلمين، فكل هذه الأمور التي يفعلونها تتسبب في إشغال المسلمين عما هم بصدده من الدعوة إلى الله، ونصر الدين، وإقامة واجبات الإسلام، والدعوة إلى الله في أنحاء العالم كله.

فيا أهل الإسلام اعلموا هذا الْمَثَل: من ثمارهم يعرفون. فهؤلاء ماذا أثمروا؟ وماذا قدموا للمسلمين بارتكابهم مثل هذه الأشياء التي يفعلونها؟ لقد قدموا الدمار، وقدموا الفساد، وقدموا سفك الدماء، وقدموا كثرة الأهواء، وقدموا التكفير، وقدموا الانحراف إلى غير ذلك من الأضرار.

نسأل الله جل وعلا أن يكفي المسلمين شرهم، وأن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان، فالدعاء الدعاء يا أهل الإسلام، ادعوا الله جل وعلا بصدق ويقين، ادعوا الله جل وعلا وألِحُّوا على الله بالدعاء أن يصلح أحوال المسلمين وأن يكفي المسلمين شر هؤلاء.

وعليكم بالتوبة النصوح، توبوا إلى الله جل وعلا توبة نصوحًا، فما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رُفِع إلا بتوبة، فاتركوا الذنوب والمعاصي، وتوبوا إلى الله جل وعلا، تعاونوا مع ولاة الأمور، تعاونوا مع إخوانكم المسلمين في القضاء على هذه الفئة المنحرفة الضالة والكشف عن أوكارها وفضح مخططاتها حتى يُدْفَع الشر عن المسلمين.

اللهم أَمِّنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم أَدِم الأمن والاستقرار في ربوعنا، اللهم ارزقنا لزوم السنة والجماعة، أعذنا من البدعة والشذوذ والفرقة يا رب العالمين، اللهم احفظ إخواننا المسلمين في كل مكان، اللهم احفظ إخواننا أهل السنة والجماعة في العراق وفي كل مكان يا ذا الجلال والإكرام ، اللهم اكفنا شر الأشرار وكيد الفجار وشر فتن وطوارق الليل والنهار يا سيمع الدعاء، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكون من الخاسرين، ربنا اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والأموات يا رب العالمين، اللهم أصلح شباب المسلمين ونساءهم يا رب العالمين، اللهم أصلحهم يا ذا الجلال الإكرام ووفقهم لما يرضيك، واجعلهم نصرةً للإسلام والمسلمين، وأبعد عَنَّا الفتن والانحرافات والضلالات يا رب العالمين، إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، ولا حول لنا ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فتوبوا إلى لله واستغفروه إنه هو الغفور الرحيم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

تعليق سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ مفتي عام المملكة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد أشرف الأنبياء وأشرف المرسلين، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد ، فإنه موضوع مبارك يعالج قضية الساعة، وتحدث فيه كل من الدكتور بدر بن ناصر البدر، والدكتور فهد الفهيد، تحدثا عن هذه الظاهرة ظاهرة الإرهاب وعن مصطلحاته المتعارف لديها عند الناس، وتحدثا عن موقف الإسلام من هذه الظاهرة، وأن الإرهاب إذا قصد به سفك الدماء بغير حق ونهب الأموال وترويع الآمنين والسعي في الأرض بالفساد ونشر الفوضى وزعزعة المجتمع، فهذا بلا شك جرم عظيم وذنب كبير لا يرتضيه أي مسلم ولا يقبله؛ لأنه يرى أن هذا هو الفساد الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ﴾ [سورة المائدة : الآية 33 ] فالإرهاب العالمي عُبِّر عنه بالظلم، الظلم محرم في شريعتنا وفي كل شرائع الله.

الظلم محرم على العباد كلهم، وفي الحديث القدسي يقول الله: «يَا عِبَادِى إِنِّى حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِى وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلاَ تَظَالَمُوا»( 24) فإذا كان المقصود من الإرهاب سفك الدماء ونهب وتبديد الأموال وترويع الآمنين وزعزعة الأمن والاستقرار وإفساح الطريق للأعداء للتدخل في بلاد الإسلام وإذلال أهل الإسلام وتنفيذ أغراض أعداء الإسلام فهذا أمر خطير وذنب كبير.

فهذا جرم عظيم لا يرضى به مؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر، وهذا مما اتفقت الفِطَر على مَقْته وبغضه، وأما إن عُنِي بالإرهاب سب أهل الإسلام والمتمسكين بدينهم والثابتين على المنهج القويم، فلا شك أن هذا ضلال وخطأ؛ لأن المتمسك بالحق والثابت على الحق هو المؤمن حَقًّا، فهذا يعتبر نواة خير وصلاح، ولا يجوز أن نصفه بالإرهاب، لذا قال الله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ ﴾ [سورة المطففين : الآية 29 – 32] هكذا يقول الكافرون للمؤمنين هذه المقالات السيئة الخبيثة، فنحن نرفض الإرهاب الذي هو الظلم والعداون، سواء كان سببه الغُلُوّ من أولئك الذين فهموا الإسلام على غير مراده الصحيح ولم يفهموا النصوص على حقيقتها، بل سلكوا مسلكًا سيئًّا وتجاهلوا فيه نصوص الكتاب والسنة والجمع بين النصوص وإعمال كل نص في موضعه، وسواء حال عليه الجفاء والبعد عن طريق الهدى، فكل هذا مذموم، والعدل إقامة شرع الله والحكم بالعدل بين الناس قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾ [سورة الحديد : الآية 25] ويقول جل وعلا على لسان نبيه: ﴿وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ [سورة الشورى : الآية 15] ففي شريعة الإسلام حرمة الدماء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلاَ لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ». ( 25) وفي الحديث الآخر: «لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِى فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ ، مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا»( 26). كم غلا أقوام في دينهم فخرج بهم الغلو إلى غير الطريق المستقيم، فضلوا سواء السبيل، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾ [سورة الكهف : الآية 103 – 104].

هذا هو البلاء وهو أن تنعكس الأمور في نظره، فيرى الباطل حَقًّا والحق باطلاً، والحرام حلالاً، والحلال حرامًا، والله يقلب قلوب عباده كيف يشاء، فعلينا جميعا بتقوى الله في أنفسنا وتربية نشئنا تربية إسلامية، تربية تنأى بهم عن طريق الخطإ وتبعدهم عن رذائل الأمور، وترتقي بهم إلى ما فيه سعادتهم في دنياهم وآخرتهم

إن الشباب الذين قلوبهم فارغة من العلم تكون مرتعا خصيبا للأعداء يملئونها حقدا على الإسلام وأهله، ويحولون هذا النشء إلى طريق الفساد، فيستحسنون الباطل، ويستسيغون الشر، ويكونون نقمة على أنفسهم وعلى أهليهم ووالديهم ومجتمعهم، فلا بد للإنسان أن يعتني بأولاده قدر الاستطاعة، وإذا عرف منهم ميلا إلى شيء من طرق الغواية فليأخذ بيده، وليأتِ به لمن يوجهه ويحذره من سلوك هذه الطرق الغوية التي لا خير فيها، والتي تؤدي إلى سفك الدماء والانتحار بقتل أنفسهم تحت ما يسمونه بالاستشهاد ونحوه، يقتل نفسه والعياذ بالله، ويودي بها إلى نار جهنم، فلنتبصر في أمرنا، ونسأل الله أن يثبتنا على دينه وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يصلح شبابنا ويوفقهم للخير ويجنبهم طريق الرذائل، ويرزقهم جلساء صالحين أتقياء يحثونهم على الخير ويرغبونهم فيه، ويبعدونهم عن الباطل ويحذرونهم منه.

وأسأل الله أن يصلح ولاة أمرنا، وولاة المسلمين عامة، وأن يوفقنا جميعا لما يحبه ويرضاه، وأن يستعملنا جميعا في الباقيات الصالحات، وصلى الله على محمد.

أسئلة:

سؤال: ما هو واجبنا نحو هذه الفئة الضالة؟ وماذا نعمل حتى يرجعوا إلى الصواب وجزاكم الله خيرا؟

جواب:

في الحقيقة الواجب نُصح من عَلِمْت أنه يحمل هذا الفكر، تنصحه لله وترشده وتوجهه بمناقشته حتى ترده بتوفيق الله إلى الطريق المستقيم، فلا بد من مناصحة مَن أخطأ منهم، وتبيين الحق له وأن تنأى به عن طريق الردى، لا بد أن ننصح هؤلاء وأن نبين لهم الخطأ نصيحة لله، لعل الله أن يفتح على قلوبهم ويعرفهم الباطل على حقيقته والحق على حقيقته، ونسأل الله أن يصرف قلوبهم للخير، وأن ينقذهم من هذه الفتن وأن يقر عيون أبويهم برجوعهم إلى الهدى وسلوك الطرق المستقيم، هؤلاء مساكين أنزلوا البلاء بالأم والأب، فالأب في حسرة، والأم في حسرة، والولد في حسرة، والأخوة في حسرة؛ لأنهم يرون الأولاد وقد سلكوا هذا المسلك الردي، هذا المسلك السيئ الذي ينتهي بهم إلى قتل أنفسهم عياذا بالله، وإلى السعي في الباطل، فهم لا يدركون حقيقة الباطل، لكن غرر بهم وخدعوا، ولبس الأمر عليهم، نسأل الله أن يردهم إلى الهداية.

**************************************************************************************************************************************************

( 1)أخرجه مسلم (4/2055 ، رقم 2670) .

( 2) أخرجه أبو داود 1(/640 ، رقم 2106)، والترمذي (3/421 ، رقم 1114)، وابن ماجه (1/607، رقم 1887) .

( 3) أخرجه أحمد (3/428 ، رقم 15568) قال الهيثمى في مجمع الزوائد (7/168) : ورجال أحمد ثقات .

( 4) أخرجه أحمد (1/347 ، رقم 3248) ، والنسائى (5/268 ، رقم 3057) ، وابن ماجه (2/1008 ، رقم 3029) ، والحاكم (1/637 ، رقم 1711). وقال : صحيح على شرط الشيخين .

( 5) حلية الأولياء 2/423 ، طبقات الحنابلة 1/26 .

( 6) سنن الدارمي 1/83 .

( 7) اقتضاء الصراط المستقيم 1/106 .

( 8) مدارج السالكين 2/496.

( 9) أخرجه البخاري (4/1581 ، رقم 4094) ، ومسلم (2/742 ، رقم 1064).

( 10) أخرجه البخاري (6/2539 ، رقم 6531) ، ومسلم (2/746 ، رقم 1066) .

( 11) مصنف عبد الرزاق (10/154 ، رقم 18669)، باب ما جاء في الحرورية.

( 12) أخرجه والبخارى (4/1555 ، رقم 4021) ، ومسلم (1/96 ، رقم 96).

( 13)أخرجه البخاري (6/2517 ، رقم 6469) .

( 14)أخرجه البخاري (6/2521 ، رقم 6484) .

( 15) أخرجه البخاري (1/17 ، رقم 25) ، ومسلم (1/53 ، رقم 22).

( 16) أخرجه البخاري (5/2110 ، رقم 5230) ، ومسلم (3/1305 ، رقم 1679).

( 17) أخرجه البخاري (6/2592 ، رقم 6664) ، ومسلم (4/2019 ، رقم 2615) .

( 18) أخرجه أبو داود (4/301 ، رقم 5004).

( 19) أخرجه البخاري (6/2592 ، رقم 6661) ، ومسلم (4/2020 رقم 2617) .

( 20) أخرجه البخاري (3/1155 ، رقم 2995) .

( 21) أخرجه أبو داود (3/170 ، رقم 3052) ، والبيهقى (9/205 ، رقم 18511) .

( 22) أخرجه البخاري (5/2263 ، رقم 5752) .

( 23) أخرجه البخاري (1/50 ، رقم 100) ، ومسلم (4/2058 ، رقم 2673) .

( 24)أخرجه مسلم (4/1994 ، رقم 2577) .

( 25) سبق تخريجه.

( 26) سبق تخريجه .

——————————

المحاضران:

فضيلة الشيخ الدكتور/ فهد بن سليمان الفهيد

فضيل الشيخ الدكتور/ بدر بن ناصر البدر

-- للشيخين د. بدر البدر ، د. فهد بن سليمان

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 06:26 صباحًا الثلاثاء 17 ذو الحجة 1442 / 27 يوليو 2021.